توشحت المنصات الرقمية والحسابات الرسمية لدولة قطر اليوم باللون الأزرق، تزامنا مع اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، وهو اللون الذي يرمز عالميا للهدوء والثقة والذكاء، نظرا لارتفاع نسب تشخيصه لدى الذكور.
وفي لفتة إنسانية لافتة، أكدت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في تغريدة لها اليوم، أن هذه المناسبة تحل في ظل ظروف قاسية تمر بها منطقتنا، مما يضاعف التحديات التي تواجه ذوي التوحد في النزاعات.
وأشارت سموها بوضوح إلى أن الحروب تسلب هؤلاء الأطفال أمان روتينهم اليومي وتحرمهم من الدعم المتخصص، مشددة على أن توفير بيئة آمنة ودعمهم نفسيا واجتماعيا يمثل أولوية إنسانية لا يمكن التهاون بها أبدا.
وتشير الإحصاءات العالمية إلى أن طفلا من بين كل 100 طفل يُشخص بالتوحد، بينما تبلغ النسبة في قطر طفلا لكل 87، مما يجعل من التوعية بهذا "الطيف" ضرورة حتمية تتجاوز الرمزية إلى الفعل.
ولم يكن هذا الحراك العالمي وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لرؤية قطرية قادتها سمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي نجحت في نقل قضية التوحد من إطارها الطبي الضيق إلى فضاء إنساني وتنموي أرحب.
صوت قطر العالمي
في الأول من نوفمبر عام 2007، وخلال الدورة الثانية والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، قدمت دولة قطر مقترحا تاريخيا لتخصيص يوم عالمي للتوحد، في خطوة دبلوماسية إنسانية غير مسبوقة قادتها سمو الشيخة موزا.
وقد اعتمدت الأمم المتحدة القرار رقم 62/139 بالإجماع في ديسمبر من العام نفسه، ليكون الثاني من أبريل يوما عالميا للتوعية، وهو واحد من 7 أيام صحية رسمية فقط تعترف بها المنظمة الدولية حاليا.
واستهداف القرار الذي لم يكن مجرد إجراء رمزي، حشد الجهود الدولية لرفع مستوى الوعي بالتوحد، وتشجيع الدول على اتخاذ تدابير فعالة لدمج المصابين، وتوفير الموارد اللازمة للأبحاث العلمية والتدخل المبكر في كل المجتمعات.
ولم تقتصر هذه الريادة على الجانب الدبلوماسي، بل شملت المساهمة في دعم برامج تعليمية وصحية في أكثر من 50 دولة، وتقديم 17 مليون ريال لتمويل مبادرات نوعية للشباب المصابين بالاضطراب وعائلاتهم عالمياً.
واستطاعت سموها عبر هذه المبادرة أن تضع التوحد على أجندة صناع القرار دوليا، مؤكدة أن كرامة الإنسان تكمن في قدرة المجتمع على استيعاب جميع أفراده، وتوفير البيئة المناسبة التي تسمح لكل موهبة بالازدهار.
ما هو طيف التوحد؟
يُعرف اضطراب طيف التوحد بأنه حالة نمائية عصبية تظهر في السنوات الأولى، وتؤثر على مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، مع تباين واسع في الأعراض والقدرات، مما يجعله "طيفا" يتطلب فهما فرديا لكل حالة.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى وجود نحو 80 مليون شخص يعيشون مع التوحد عالميا، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الأنظمة الصحية، والحاجة الماسة لتعزيز التوعية المجتمعية لتقليل الوصمة الاجتماعية السائدة.
وتؤكد الرؤية القطرية التي تتبناها سمو الشيخة موزا أن التوحد ليس مرضا يحتاج لعلاج، بل هو اختلاف عصبي يتطلب تقبلا وتكيفا، حيث يمتلك المصابون به غالبا قدرات استثنائية في مجالات الفن والرياضيات والذاكرة.
ومن هنا نبعت أهمية التدخل المبكر والتشخيص الدقيق، وهما الركيزتان اللتان ركزت عليهما قطر في سياساتها الوطنية، لضمان حصول كل طفل على فرصة حقيقية للتعلم والنمو، بما يحقق مبادئ العدالة الاجتماعية والتمكين البشري الكامل.
من الرعاية للتمكين
بدأت مسيرة العمل الميداني في دولة قطر منذ عام 1999 بافتتاح "مركز الشفلح"، الذي تأسس برعاية سمو الشيخة موزا ليكون صرحا متخصصا يقدم أرقى خدمات الرعاية والتأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي عام 2016، تعززت هذه المسيرة بافتتاح "أكاديمية ريناد" تحت مظلة مؤسسة قطر، وهي مدرسة متخصصة لتقديم خدمات تعليمية متطورة، وتكاملت جهودها مع "أكاديمية العوسج" التي تعمل على تمكين الطلاب الذين يواجهون صعوبات تعلم متنوعة.
وقد توجت هذه الجهود بإطلاق "الخطة الوطنية للتوحد" عام 2017، لتنسيق العمل بين الأسر والجهات المختصة، وتأسيس "الجمعية القطرية للتوحد" في العام ذاته لتعزيز دمج المصابين ودعم ذويهم كجزء أصيل من المنظومة الوطنية الشاملة.
كما امتدت الرعاية لتشمل الجانب الثقافي والرياضي، بتوفير "غرف حسية" بمكتبة قطر الوطنية، وتقديم سابقة تاريخية في مونديال قطر 2022 بتخصيص غرف للمساعدة الحسية للمشجعين، لضمان تجربة دامجة وميسرة للجميع في أضخم المحافل.
وتعكس هذه المؤسسات فلسفة سموها في تحويل "الاحتياجات الخاصة" إلى "قدرات خاصة"، حيث يتم تدريب الكوادر القطرية على أحدث المنهجيات العلمية، لضمان استدامة الخدمات المقدمة وتحويل قطر إلى نموذج إقليمي رائد في هذا المجال.
رؤية مستقبلية رائدة
لم تتوقف طموحات سمو الشيخة موزا عند حدود المبادرات المحلية، بل امتدت لتشمل إطلاق "التحالف العالمي للمناصرة في قضايا التوحد" عام 2025، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والعديد من المنظمات الدولية الرائدة.
ويهدف هذا التحالف إلى توحيد الجهود الدولية لسد الفجوات في الخدمات بين الدول، وهو ما تعزز بإطلاق مؤتمر "التكنولوجيا والتوحد" عام 2025 لتحسين جودة حياة الأفراد، وضمان حصولهم على أحدث الأدوات التقنية المساعدة عالمياً.
وتؤكد هذه الخطوات أن الدور القطري هو تأثير مستدام يتجاوز المناسبات السنوية، حيث تسعى الدوحة لتعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات البحثية، بما يضمن ترجمة الوعي إلى سياسات وممارسات ملموسة تخدم ملايين الأفراد وأسرهم.
ويظل "أبريل الأزرق" شاهدا على رؤية الشيخة موزا التي آمنت بأن الاختلاف مصدر قوة، وأن الأمل يُصنع بالعمل الجاد والالتزام الإنساني، ليبقى الإنسان دائما هو المحور والغاية في كل مسارات التنمية.